وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، قد تبدو للوهلة الأولى مؤشراً على تشكيل ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة؛ اتفاقية تنص على أن أي هجوم على أي عضو يعتبر هجوماً على الجميع. لكن وراء قيمتها الرمزية والسياسية، تطرح أسئلة مهمة حول مدى فعاليتها وتماسكها وقابليتها للتنفيذ. إن تباين مصالح الدول الثلاث، والغموض في نطاق الالتزامات الدفاعية، وخطر تحول هذه الآلية إلى تشكيل صف إقليمي، هي أبرز التحديات التي قد تؤثر في مستقبلها.
أولاً: تباين التهديدات الأمنية
أكبر مشكلة في اتفاقية مكة هي عدم توحّد التهديدات الأمنية للأعضاء الثلاثة. فالسعودية تركز جزءاً كبيراً من مخاوفها الأمنية على إيران وأنصار الله في اليمن والجماعات المسلحة القريبة من طهران، بينما تواجه باكستان في المقام الأول قضية الهند وأمن حدودها الشرقية والنزاعات المتعلقة بكشمير. أما تركيا فلها أولويات أمنية مختلفة، إذ تنفق جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية والسياسية على تطورات سوريا والعراق وشرق المتوسط ومسائل أمن الحدود. وبالتالي، ليس من الواضح إلى أي مدى سيكون التزام "الهجوم على عضو هو هجوم على الجميع" عملياً تجاه كل هذه الأزمات.
وهذا التباين في التهديدات قد يتحول إلى مشكلة عندما يخوض أحد الأعضاء صراعاً لا يراه العضوان الآخران مرتبطاً مباشرة بأمنهما الوطني. وفي مثل هذه الظروف، قد يبتعد الالتزام السياسي على الورق عن الحسابات الفعلية للحكومات، وقد يتحول الرد الجماعي إلى رد محدود أو رمزي أو حتى سياسي فقط.
ثانياً: الغموض في مفهوم الدفاع المشترك
يتعلق التحدي الثاني بأهم جزء في الاتفاقية: متى يصبح الهجوم مشمولاً بالدفاع الجماعي؟ في المنطقة اليوم، لا تقتصر التهديدات على الهجوم المباشر من جيش دولة ضد دولة أخرى. فالهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة، والعمليات الصاروخية والمسيّرة، والهجمات السيبرانية، والإجراءات غير المباشرة، تشكل جزءاً كبيراً من النزاعات الإقليمية.
فإذا كانت الاتفاقية تقتصر على الهجوم المباشر من دولة ما ليشمل الالتزام الدفاعي، فإن جزءاً كبيراً من التهديدات الحقيقية في المنطقة سيظل خارج إطارها. لكن إذا كان أي هجوم من جماعة مسلحة يعني تلقائياً تفعيل الدفاع المشترك، فقد يجرّ أعضاء الاتفاقية إلى سلسلة من الصراعات الإقليمية التي لا تتوافق بالضرورة مع مصالحهم جميعاً. ومن ثم، فإن عدم وجود تعريف واضح لشروط تفعيل الالتزام الدفاعي قد يكون أحد أهم نقاط الضعف في الاتفاقية.
ثالثاً: الفجوة بين الالتزام السياسي والقدرة التنفيذية العسكرية
يكون الحلف الدفاعي رادعاً عندما يصدق الطرف المقابل أن أعضاءه مستعدون للوفاء بالتزاماتهم في الظروف الفعلية. لكن هناك فجوة كبيرة بين توقيع الاتفاقية وإنشاء هيكل دفاعي حقيقي. فالردع المستدام يتطلب آليات محددة لتبادل المعلومات، والتنسيق العملياتي، والقيادة، والتخطيط المشترك، واتخاذ القرار في حالات الأزمات.
وقد تتحول اتفاقية مكة، في حال افتقارها إلى مثل هذه الآليات، إلى التزام سياسي أكثر منها إلى تحالف عسكري حقيقي. فوجود جيوش قوية لا يعني وحده القدرة على الحرب المشتركة. كما أن الاختلاف في المعدات، والعقيدة العسكرية، وهيكل القيادة، والأولويات الاستراتيجية قد يجعل التنسيق بين الدول الثلاث أمراً صعباً.
رابعاً: تحدي العلاقة مع أميركا؛ الاستقلال أم التنويع؟
من الأهداف غير المعلنة والمهمة لمثل هذه الترتيبات، تقليل اعتماد دول المنطقة على المظلة الأمنية الأميركية. لكن هنا يتشكل تناقض جوهري. فتركيا عضو في الناتو، وباكستان لها سجل طويل من التعاون العسكري مع أميركا، والسعودية لا تزال تعتمد على المعدات والتدريب والتعاون الدفاعي الأميركي. لذا، لا يمكن اعتبار اتفاقية مكة حتى الآن مؤشراً على خروج المنطقة من النظام الأمني بقيادة أميركا.
وفي الواقع، يمكن لهذه الاتفاقية، في أفضل الأحوال، أن تنوّع مصادر الأمن للدول الأعضاء. لكن إذا كان من المفترض أن يعمل هذا الهيكل دون تقليل فعلي للاعتماد العسكري والسياسي على الغرب، فإن استقلاله الأمني سيكون محدوداً. بمعنى آخر، السؤال الجوهري هو: هل تبني الدول الأعضاء حقاً بنية أمنية مستقلة، أم أنها تضيف طبقة جديدة إلى جانب الآلية الأمنية الأميركية؟
خامساً: هل تملك هذه الاتفاقية القدرة على إدارة الأزمات؟
يظل السؤال الأهم: هل تستطيع هذه الاتفاقية، في حال نشوب أزمة حقيقية، أن تتحول من نص سياسي إلى إجراء عملي؟ الاختبار الحقيقي لأي تحالف دفاعي لا يكون في لحظة توقيعه، بل في لحظة تعرض أحد أعضائه لتهديد جاد. وهنا تبرز تحديات عدة: التباين في سرعة اتخاذ القرار بين الدول الثلاث، واختلاف التفسيرات للتهديد، وتأثير الضغوط الخارجية، وخصوصاً من الولايات المتحدة، التي قد يكون لها مواقف مختلفة تجاه أي أزمة. كل هذه العوامل يمكن أن تحول الاتفاقية، في الممارسة العملية، إلى أداة استراتيجية محدودة التأثير، بدلاً من أن تكون حجر الأساس لنظام أمني إقليمي جديد.
تُوقع اتفاقيات الدفاع عادة في أوقات السلم، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يندلع صراع يطال أحد الأعضاء. فإذا تعرضت السعودية مستقبلاً لهجوم واسع، هل ستكون تركيا وباكستان مستعدتين لإدخال قواتهما في الحرب؟ وإذا انخرطت تركيا في أزمة على حدودها، فهل ترغب السعودية وباكستان في الدخول المباشر؟ وإذا واجهت باكستان أزمة كبرى مع الهند، فهل سيكون العضوان الآخران على استعداد لخوض مواجهة مكلفة لتنفيذ التزاماتهما التعاهدية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تزال غير واضحة، وهذا الغموض بذاته قد يكون أهم اختبار لمصداقية اتفاقية مكة. فإذا أظهر الأعضاء ردود فعل متباينة في أزمة حقيقية، فإن تأثير الردع للاتفاقية سينخفض بشدة، لأن الحلف الدفاعي لا يكون رادعاً إلا عندما يكون العدو المحتمل واثقاً من حتمية أو على الأقل من احتمال كبير للرد الجماعي.
خلاصة
قد تكون اتفاقية مكة بداية تحول مهم في الأمن الإقليمي، لكن قدرتها على التحول إلى تحالف فعال لم تثبت بعد. وأكبر تحدٍ لها ليس نقص القوة العسكرية، بل تباين المصالح والتهديدات والحسابات الاستراتيجية بين الأعضاء. فالغموض في تعريف الهجوم، وغياب التفاصيل الواضحة حول آلية الدفاع المشترك، والاعتماد الكبير لا يزال على أميركا، وخطر تحول الاتفاقية إلى تشكيل طائفي، كلها عوامل قد تحد من فعاليتها.
ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى اتفاقية مكة، أكثر من كونها نهاية حقبة وبداية نظام أمني جديد، على أنها بداية اختبار صعب. فإذا تمكنت الدول الثلاث من تحويل التزاماتها السياسية إلى آليات دفاعية فعلية، وتنسيق عسكري، واتخاذ قرار مشترك، فقد تتحول هذه الاتفاقية إلى بنية إقليمية مهمة. وإلا، فثمة خطر من أن تصبح اتفاقية مكة مجرد تعهد سياسي يضج أكثر من طاقته التشغيلية، وتعويضاً عن تقليل انعدام الأمن، تتحول إلى جزء من التنافس الجديد للقوى في الشرق الأوسط.
/انتهى/
تعليقك